الصفحات الذهبية في تاريخ الأمة الإسلامية
كتبهاwahid ، في 13 أبريل 2009 الساعة: 20:46 م
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمدلله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد……
يا أمة الإسلام، يا خير أمة أخرجت للناس……
إن المتصفح لتاريخك الطويل يرى الكثير من الصفحات الذهبية التي كانت وما تزال سمة فخر لك……
إنه التاريخ يتكلم ليصد بذلك إفتراءات العصر على ديننا الحنيف……
ليكون دليلا قاطعا في وجه كل معتد أثيم……
وليكون شاهدا على أنه لا عز لهذه الأمة إلا بالإسلام……
لقد قسم الأوروبيون التاريخ البشري إلى عدة أقسام وفقاً لنظرتهم، وتبعاً لما مرت به أوربا من أحداث، فهم يقولون أن تاريخ البشرية ينقسم إلى أربعة أقسام وذلك إذا اعتبرنا ما قبل التاريخ مرحلة في حياة البشر:
1- ما قبل التاريخ: وهي الفترة التي كان فيها الإنسان متأخراً بدائياً، لا يعرف اللباس ولا النطق، ولا يستر جسمه إلا الشعر، وهذا ما يتفق مع وجهة نظرهم العلمانية، فهم لا يأخذون بالاعتبار الأنبياء والرسل الذين أرسلهم الله تعالى للبشر منذ القدم لتوحيد الله تعالى وعبادته.
2- العصر القديم: ويبدأ عندهم منذ معرفة الإنسان الكتابة عام (3200 ق.م) وينتهي بسقوط مدينة روما بيد البرابرة الجرمان عام (476م) ، ويمتاز هذا التاريخ بقيام إمبراطوريات واسعة في أواخره.
3- العصر الوسيط: ويبدأ من سقوط روما عام (476م) وينتهي بفتح القسطنطينية عام (857م) على يد السلطان محمد الفاتح، ويمتاز هذا العصر عندهم بسيطرة الكنيسة ورجالات الإقطاع.
4- العصر الحديث: ويبدأ من فتح القسطنطينية، وينتهي وقتنا الحاضر، ويتسم بالثورة الصناعية، والعلم، ويقسمون هذا العصر بدوره إلى قسمين:
أ _ التاريخ الحديث: وينتهي بقيام الثورة الفرنسية (1779م) .
ب _ التاريخ المعاصر: ويبدأ من قيام الثورة الفرنسية، ويمتد حتى يومنا هذا.
ويلاحظ في تقسيم الأوربيين للتاريخ أنه مبني على الأحداث التي حصلت في أوربا، فكان اعتباره تاريخاً للبشرية ظلماً واضحاً.
ولقد اعترف بعض مؤرخي الغرب وسياسييه أن هذا التقسيم للتاريخ كان خطأ محضاً لإهماله دور الإسلام في تغيير الحياة البشرية وبالتالي إيجاد التحول في مراحل تاريخها، فهذا فارس الخوري النصراني القانوني الكبير، يقول: (يقسم العلماء الغربيون التاريخ إلى قديم ومتوسط وجديد، ويضعون سقوط الدولة الرومانية المقدسة حداً بين العصور المتوسطة والقديمة، ولست أقول أن سقوط الدولة الرومانية لا يصح اتخاذه حداً فاصلاً بين التاريخ القديم والمتوسط، فقد كان أثر سقوطها عظيماً، وإنما هناك حادثة أعظم كان جديراً بعلماء التاريخ اتخاذها حداً فاصلاً لفترتي التاريخ العالمي، وأعني بذلك ظهور الإسلام) .
ونظرة سريعة إلى تاريخ البشرية قبل ظهور الإسلام، تعطينا انطباعاً واضحاً وتصوراً ثابتاً لمدى حاجة الإنسانية للإسلام، ولحجم المسئولية الملقاة على عاتق الأمة الإسلامية تجاه البشر.
ولن نستكثر دقائق معدودة لتسليط بعض الضوء على واقع البشرية قبل ظهور الإسلام:
لقد عاشت الإنسانية فترة من الضياع والانحطاط تمثلت في تحريف الأديان والكتب السماوية، واستغلال الدين أبشع استغلال للهيمنة على الشعوب واستعبادها، فالمسيحية التي لم تكن منهجاً تشريعياً كاملاً نالها من التحريف ما نالها، وصارت ديانات متعددة؛ فالملكانية التي تمثلت في نصارى الشام، والدولة الرومية التي تقول بعقيدة ازدواج طبيعة المسيح، والمنوفيسية التي تمثلت في نصارى مصر والحبشة تقول بطبيعة واحدة للمسيح وهي الإلهية، يقول الدكتور ألفرد . ج. بتلر: (إن ذينك القرنين (القرن السادس والسابع) كانا عهد نضال متصل بين المصريين والرومانيين، يذكيه اختلاف الجنس والدين، وكان اختلاف الدين هو الأشد، فكانت الطائفة الأولى هي حزب مذهب الدولة الإمبراطورية وحزب الملك والبلاد، وكانت تعتقد العقيدة السنية الموروثة وهي ازدواج طبيعة المسيح، على حين أن الطائفة الأخرى وهي حزب القبط المنوفيسيين كانت تستبشع تلك العقيدة وتستفظعها، وتحاربها حرباً عنيفة يصعب علينا أن نتصورها أو نعرف كنهها في قوم يعقلون، بل يؤمنون بالإنجيل) .
وحاول الإمبراطور هرقل (610-641) بعد انتصاره على الفرس جمع مذاهب الدولة المتصارعة، وكان توفيقه بينها أن يمتنع الناس عن الخوض في الكلام عن طبيعة المسيح، والاستقرار على أن لله إرادة واحدة وقضاء واحد، وإرجاء الحديث عن طبيعة المسيح، إلا أن هذا التوفيق لم يدم طويلاً، فقبط مصر لم يقبلوا به ووقع عليهم اضطهاد فظيع بسبب ذلك، وهو ما تقشعر له الجلود فكان الرجال يعذبون ثم يقتلون إغراقاً، وتشعل المشاعل وتسلط نارها على المخالفين حتى يسيل الدهن من الجانبين إلى الأرض، ويوضع السجين في كيس رمل ثم يرمى في البحر.
وصار التسلط الكنسي مبرراً باسم الدين، ناهيك عن صكوك الغفران التي تعطى بالمال، وبلغ الانحلال الاجتماعي غايته، وذابت الفضيلة، حتى صار الناس يفضلون العزوبة على الحياة الزوجية ليقضوا مآربهم، وكان العدل يباع ويساوم عليه، والرشوة والخيانة تلقى التشجيع من الجميع، يقول جيبون في وصف رائع: (وفي آخر القرن السادس وصلت الدولة في ترديها وهبوطها إلى آخر نقطة، وكان مثلها مثل دوحة عظيمة كانت أمم العالم في حين من الأحيان تستظل بظلها الوارف، ولم يبق منها إلا الجذع الذي لا يزداد كل يوم إلا ذبولاً) .
وفي مصر بلد الخيرات، عانى الناس هناك أشد المعاناة من النصرانية والدولة الرومية، يقول الدكتور غوستاف لوبون في كتابه حضارة العرب: (ولقد أكرهت مصر على انتحال النصرانية، ولكنها هبطت بذلك إلى حضيض الانحطاط الذي لم ينتشلها منه سوى الفتح العربي، وكان البؤس والشقاء مما كانت تعانيه مصر التي كانت مسرحاً للاختلافات الدينية الكثيرة في ذلك الزمن، وكان أهل مصر يقتتلون بسببها، وكانت مصر التي أنهكها الاستبداد تحقد أشد الحقد على سادتها الروم، وتنتظر ساعة تحريرها من براثن قياصرة القسطنطينية الظالمين) .
وكانت مصر تضيف إلى مالية الدولة البيزنطية مجموعاً كبيراً من حاصلها ومنتجاتها.
أما فارس التي شاطرت الروم حكم العالم، كانت غارقة في الفساد الأخلاقي، حتى أن يزدجرد الثاني الذي حكم في القرن الخامس تزوج ابنته ثم قتلها، وبهرام جوبين الذي تملك في القرن السادس كان متزوجاً بأخته أيضاً.
وقد ظهر ماني في القرن الثالث المسيحي، فدعا إلى العزوبة لحسم مادة الفساد، وحرم النكاح استعجالاً للفناء، وقتله بهرام سنة 276م بحجة أنه يدعو إلى خراب العالم، ثم ظهر مزدك في القرن الخامس فأعلن أن الناس ولدوا سواء لا فرق بينهم، ولكنه أحل النساء وأباح الأموال وجعل الناس شركة فيها كاشتراكهم في الماء والكلأ والنار، كما يقول الشهرستاني في الملل والنحل.
وحظيت دعوته تلك بموافقة الشباب والأغنياء والمترفين فانغمست إيران بتأثيرها حتى عمت الفوضى الخلقية وطغت الشهوات، يقول الإمام الطبري: (اقتنص السفلة ذلك واغتنموه وناصروا مزدك وأصحابه وشايعوهم فابتلي الناس بهم، وقوي أمرهم حتى كانوا يدخلون على الرجل في داره فيغلبونه على منزله ونسائه وأمواله لا يستطيع الامتناع منهم، وصاروا لا يعرف الرجل ولده ولا المولود أباه) .
وكان الأكاسرة يدّعون أن في عروقهم دم إلهي، فقدستهم شعوبهم كآلهة ويعتقدون أن في طبيعتهم شيئاً علوياً مقدساً، فلا ينطق أحد باسمهم ولا يجلس في مجلسهم، ويعتقدون أن لهم حقاً على كل إنسان وليس لأي إنسان حق عليهم، وكان الملك لهم يتوارثونه فإن لم يكن فيهم رجلاً ملكوا منهم طفلاً، فقد ملكوا أزدشير بعد والده شيرويه وهو ابن سبع سنين، وإن لم يجدوا طفلاً ملكوا امرأة، فقد ملكوا بوران بنت كسرى وكذلك ملكوا ابنة كسرى ثانية وهي أزرمي دخت، ولم يخطر ببالهم أن يملكوا عليهم قائداً كبيراً كرستم أو جابان لأنهما ليسا من البيت الملكي.
وفي التفاوت بين الطبقات يقول البروفوسور أرتهرسين مؤلف تاريخ إيران في عهد الساسانيين: (كان المجتمع الإيراني مؤسساً على اعتبار النسب والحرف، وكان بين طبقات المجتمع هوة واسعة لا يقوم عليها جسر ولا تصل بينها صلة، وكانت الحكومة تحظر على العامة أن يشتري أحد منهم عقاراً لأمير أو كبير، وكان ملوك إيران لا يولون وضيعاً وظيفة من وظائفهم) ولله در المغيرة بن شعبة رضي الله عنه عندما وصفهم، كما ذكر الطبري في تاريخه قال: (عن أبي عثمان النهدي قال: لما جاء المغيرة إلى القنطرة فعبرها إلى أهل فارس أجلسوه واستأذنوا رستم في إجازته، ولم يغيروا شيئاً من شارتهم، فأقبل المغيرة والقوم في زيهم عليهم التيجان والثياب المنسوجة بالذهب، وبسطهم على علوة، ولا يصل إلى صاحبهم حتى يمشي عليها، وأقبل المغيرة يمشى حتى جلس معه على سريره ووسادته، فوثبوا عليه، فقال: كانت تبلغنا عنكم الأحلام ولا أرى قوماً أسفه منكم، إنا سواء لا يستعبد بعضنا بعضاً، فظننت أنكم تواسون قومكم كما نتواسى، وكان أحسن من الذي صنعتم أن تخبروني أن بعضكم أرباب بعض، وأن هذا الأمر لا يستقيم فيكم فلا نصنعه، ولم آتكم ولكن دعوتموني، اليوم علمت أن أمركم مضمحل، وأنكم مغلوبون، وأن ملكاً لا يقوم على هذه السيرة ولا على هذه العقول) .
وقد اعتاد ملوك إيران على كنز المال، ولما نقل خسرو الثاني في المدائن أمواله إلى بناية جديدة سنة (607م) كانت قيمتها (460) مليون وثمانية ملايين مثقال ذهب، وفي العام الثالث عشر من جلوسه على العرش كان في خزانته 800 مليون مثقال ذهب.
وكانوا في الزمن القديم يعبدون الله ويسجدون له، ثم مجدوا الشمس والقمر والنجوم، وجاء زرادشت صاحب ديانتهم المجوسية، فدعا إلى التوحيد وأبطل الأصنام، وقال: إن نور الله يسطع في كل ما يشرق ويلتهب في الكون وأمرهم بالاتجاه إلى الشمس والنار ساعة الصلاة لأن النور رمز الإله، وأمر بعدم تدنيس العناصر الأربعة: النار والهواء والتراب والماء، فصارت النار إلههم، ولأن هذه الديانة لا تنظم مجتمعاً ولا تشرع معالجات فإنهم عاشوا حياة من الفوضى والفساد الأخلاقي كما أسلفنا.
أما الصين فقد كانت تسودها ثلاث ديانات: ديانة لاوتسو وديانة كونفوشيوس والبوذية، أما ديانة لاوتسو فبالإضافة إلى وثنيتها فقد كانت تعنى بالنظريات أكثر من العمليات، وكان أتباعها متقشفين زاهدين، لا يتزوجون ولا ينظرون للمرأة ولا يتصلون بها.
وأما ديانة كونفوشيوس فقد كان يعني بالعمليات أكثر من النظريات، وكان أتباعه لا يعتقدون بعبادة إله، فيعبدون ما يشاؤون من الأشجار والأنهار.
وأما البوذية فقد تحولت إلى وثنية تحمل معها الأصنام حيث حلت، وتبني الهياكل وتنصب تماثيل بوذا حيث نزلت، وتسرب إليها تملك الثروات، ومناهج السحر، ولم يزل وجود الإله في هذه الديانة موضع شك عند المؤرخين، حتى أنهم يتساءلون: كيف قامت هذه الديانة العظيمة على أساس رقيق من الآداب التي ليس فيها الإيمان بالله، فلم تكن البوذية إذن إلا رياضة للنفس وقمع للشهوات والنجاة من الألم، ولم تكن عند الصينيين بسبب كل ذلك نظرة استشرافية للعالم ولا تطلع لنشر رسالة، فكانوا ولم يزالوا سلبيين تجاه العالم الخارجي.
أما الهند فحدث ولا حرج عن كثرة الديانات وبشاعتها، فقد وصل عدد الآلهة في القرن السادس إلى 330 مليون، فصار كل شيء رائع وجميل وجذاب بل وكل مرفق من مرافق الحياة إلهاً يعبد، فمن الآلهة أشخاص، وأبطال تمثل فيهم الله كما زعموا، ومنها جبال تجلى عليها بعض الآلهة، ومنها معادن كالذهب والفضة، ومنها نهر الكنج الذي خرج من رأس مهاديو الإله، ومنها آلات الحرب وآلات الكتابة وآلات التناسل وحيوانات أعظمها البقرة والفيل والفأر، والأجرام وغير ذلك.
يقول الرحالة الصيني الشهير هوئن سوئنج الذي قام برحلته إلى الهند بين عام 630 و 644م عن الاحتفال الذي أقامه الملك هرش: (أقام الملك احتفالاً عظيماً في قنوج، وقد نصب الملك تمثالاً ذهبياً لبوذا على منارة تعلو خمسين ذراعاً) .
وأما الشهوة الجنسية (حاشاكم) فقد كانت الطابع الطاغي على الديانات الهندية، فهم يتحدثون في دياناتهم عن اتصالات جنسية بين الآلهة، وعبدوا إله التناسل لإلههم الأكبر مهاديو حتى أن رجال بعض فرقهم الدينية كانوا يعبدون النساء العاريات والنساء تعبد الرجال العراة، وكان الكهنة من كبار الفساق الذين يعتدون على الراهبات والزائرات باسم الديانة، حتى أصبحت الكثير من المعابد مواخير يذهب إليها الفاسق لنيل مبتغاه، أما بلاط الملوك وقصور الأغنياء فقد كانوا يتنافسون فيها في إتيان كل منكر وركوب كل فاحشة.
وكان المجتمع ينقسم إلى البراهمة والشودر، والبرهمي هو رجل مغفور له وإن أباد العالم بذنوبه، أما الشودر فهم المنبوذون، لأنهم أحط من البهائم وأذلّ من الكلاب، والقانون ينص على أن من سعادة الشودر أن يقوموا بخدمة البراهمة، وليس لهم ثواب أو أجر نظير ذلك، وإذا مد أحد المنبوذين يده إلى برهمي قطعت يده، وإن مد رجله قطعت، وإذا هم أحد المنبوذين أن يجالس برهمياً فعلى الملك أن يكوي إسته وينفيه من البلاد، وإذا سبه قلع لسانه، وإذا ادّعى أنه يعلمه أو أنه أعلم منه سقي زيتاً فائراً، وكفارة قتل الكلب والقطة والضفدعة والغراب ورجل من المنبوذين سواء.
أما المرأة فقد كانت أحط منزلة من الإماء، فقد يخسرها الرجل في القمار، وكان للمرأة في بعض الأحيان عدة أزواج فإذا مات زوجها صارت أمَة لإخوانه، وقد تُقدم المرأة على حرق نفسها مع زوجها إن مات تجنباً لحياة العذاب والشقاء التي ستجدها.
هذه لمحة سريعة عما عاشته الإنسانية بعيداً عن منهج الله تعالى، تظهر بشكل جلي مدى إفلاس البشرية إن تركت لأهوائها وشهواتها.
لذلك فإن ظهور الإسلام المتمثل في أمة الإسلام كان بحق هو نقطة التحول الحقيقية في تاريخ البشرية، فبظهور الإسلام بأمته دخل التاريخ البشري في مرحلة جديدة من مراحل حياته وهي وجود أمة ذات رسالة تحمل هم الرسل وتبعة الأنبياء ومسئولية محمد صلى الله عليه وسلم تجاه العالم.
لقد انقطع الوحي، واختتمت الرسالات، وتوقف إرسال الرسل، كل ذلك حصل بظهور الإسلام وانتشاره.
ولست بصدد الحديث عن مسئولية الأمة الإسلامية، بقدر ما سأتحدث عما يراد لهذه الأمة كي تنحرف عن طريقتها، وتتخلى عن رسالتها، وتَلهى عن تبعتها تجاه البشر.
لقد قاد الرسول صلى الله عليه وسلم أمته لمسئوليتها تجاه العالم، فأقام دولة الإسلام، وحمل الدعوة الإسلامية للعالم من حوله حتى انتشر الإسلام في جزيرة العرب ولم يتوفى صلى الله عليه وآله وسلم إلا وقد فتح الآفاق لمن بعده لغزو فارس والروم والدخول إلى العالم من أوسع أبوابه، فكانت الفتوحات الإسلامية فتوحات رحمة للناس، لم تفرق هذه الفتوحات بين البلاد الغنية والبلاد الفقيرة، لأنها لم تكن فتوحات طمع وجني أموال، بل كانت فتوحات دعوة الحق والعدل، وعلى سبيل المثال فقد حفظت سجلات البردى العربية في مصر هذه الحقيقة، فقد عثر أخيراً على مجموعة من الوثائق بالغة الأهمية في فتح المسلمين لمصر، أشار إليها كارباتشك في مقدمة دليل البردى المصري، كما أوردت ذلك الدكتورة عائشة عبد الرحمن المعروفة ببنت الشاطئ فقد كُتب في تلك البردى أن مصر عانت تحت حكم الرومان من عسف واضطهاد، وأن الفقر شلّ الطبيعة البشرية، وأن الضغط الضريبي خلق أزمات عنيفة، وقد كشفت هذه الوثائق أن المسلمين الفاتحين، لم يكونوا مجرد غزاة، ولا كانوا جماعة مغامرين من البدو راكبي الجمال، وإنما كانوا محاربين منظمين أقوياء، يحملون أسلحة من الحديد والرصاص، ويقاتلون ببسالة في سبيل عقيدة اعتنقوها بإخلاص، وقد تحررت بهم مصر من الضغط البيزنطي، ورحبت بأبناء الصحراء الذين جاءوا بهذه العقيدة، التي لم تجبرهم على ترك دينهم، وقد شهدت بذلك وثائق البردى التي كتبت عام (642م) في آخر محرم (24هـ) .
وقد أدرك أعداء الإسلام خطر هذه الأمة، وعلموا أن قوة هذه الأمة في وحدتها، وأن وحدتها لا تتكرس إلا بالدولة الواحدة القوية (دولة الخلافة) ، ومن أجل ذلك بدأت المؤامرات والحروب للقضاء على قوة هذه الأمة، وللحيلولة دون قيامها بما أناط الله بها من مسئوليات تجاه العالم.
فكانت الحروب الصليبية التي وجهت للقضاء على خلافة المسلمين وعلى الأمة الإسلامية، ولزرع كيانات كفر في بلاد المسلمين.
فكانت الحملة الصليبية الأولى: وتمتد من (1096م-1099م) وقد بدأت بكتائب شعبية من المشاة والنساء والأطفال قادها بطرس الناسك، إلا أنها أبيدت على أبواب مدينة نيقية عاصمة السلجوقيين بآسيا الصغرى وعلى يد السلطان السلجوقي قليج أرسلان، أما الحملة العسكرية الأولى فقد كانت بنحو سبعمائة ألف مقاتل (مائة ألف من الفرسان، وستمائة ألف من المشاة) وانطلقت بأربعة جيوش.
وكان بالإضافة إلى تلك الحروب الصليبية، التحالف الصليبي المغولي للقضاء على الأمة الإسلامية، بإسقاط الخلافة الإسلامية في بغداد، وعندما أقول التحالف الصليبي المغولي فلا تستغربوا، فإن المؤرخين الأوربيين يدركون ذلك جيداً ويعرفونه حق المعرفة، ويضعون هذه الأحداث الرهيبة تحت عنوان الحملة الصليبية المغولية، فقد دعا لويس التاسع بعض رجال أمير المغول إلى فرنسا، حيث فاوضهم في عقد اتفاق عسكري، ينص على قيام الطرفين بأعمال حربية واسعة ضد المسلمين، ويكون دور المغول غزو العراق وتدمير بغداد والقضاء على الخلافة الإسلامية، ويكون دور الصليبيين تعويق الجيش المصري من مساعدة إخوانه المسلمين، أي عزله عن الأحداث، ومضى لويس في سعيه لاستمالة المغول وتسخير قواهم المدمرة لضرب الإسلام، ففي (2/1/1251م) الموافق (649هـ) أرسل إلى أمير المغول هدايا فاخرة، حملها إليه وفد يرأسه الراهب الدومينكي أندريه دي لونخيمو وكان من بين هذه الهدايا قطعة من الصليب المقدس وصور للعذراء ونماذج صغيرة لمجموعة من الكنائس.
يقول الأسقف دي سيسل: (واشتهر هولاكو بميله للمسيحيين النساطرة وكانت حاشيته تضم عدداً كبيراً منهم، كما كان قائده الأمير كتوبوكا مسيحياً نسطورياً، وكذلك كانت الأميرة دوكس خاتون زوجة هولاكو مسيحية، وقد أدت هذه الزوجة جهداً تفخر به الكنيسة في تجنيب أوربا المسيحية أهوال الغزو التتاري، وتحويله إلى بغداد والأمة الإسلامية، كما أنه صدرت الأوامر بعد سقوط بغداد بتقتيل المسلمين وحدهم، وعدم المساس بالمسيحيين أو التعرض لأموالهم) .
ويقول: (كانت حملة التتار على بغداد حملة صليبية بالكامل، هلل لها المسيحيون، وترقبوا الخلاص على يد هولاكو وقائده المسيحي كتوبوكا الذي تعلق أمل الصليبيين بجيشه حتى تحقق القضاء على الإسلام والعرب، وهو الهدف الذي فشلت الجيوس الصليبية في تحقيقه) .
وفي أواخر أيام كيوك خان خليفة جنكيز خان جاء لويس التاسع إلى قبرص (1248م) ليستعد منها للإبحار إلى مصر لغزوها، وتقدم إلى بلاطه راهبان هما مرقص وداود، وقالا له أنهما رسولان من خاقان المغول لعقد اتفاق للتعاون بينه وبين الصليبيين والمغول للقضاء على الإسلام وأهله نهائياً، ورد لويس بالإيجاب، وأرسل وفداً من بينه الراهب أندريه لونحيمو وانضم إليهم ملك الأرمن، وأرسل هولاكو من قبل خلفاء جنكيز خان للقضاء على الخلافة، ونشطت السفارات بين لويس التاسع وجنكيز خان، وكانت نتيجتها توجه هولاكو نحو العراق ليفرغ من أمر الخلافة العباسية، وكان الخليفة آنذاك المستعصم، وكان الذي يدبر الأمر له وزير شيعي هو مؤيد الدين بن العلقمي، ولا شك أن ابن العلقمي كاتب هولاكوا سراً وتآمر على الخليفة ظناً منه أن المغول يشكرون له صنيعه.
وسأذكر لكم أعظم حوادث التاريخ وهي سقوط الخلافة العباسية في بغداد على أيدي التتار (656هـ) .
استهلت هذه السنة وجنود التتار قد نازلت بغداد صحبة الأميرين اللذين على مقدمة عساكر سلطان التتار، هولاكو خان، وجاءت إليهم أمداد صاحب الموصل يساعدونهم على البغاددة وميرته وهداياه وتحفه، وكل ذلك خوفاً على نفسه من التتار، ومصانعة لهم قبحهم الله تعالى.
وقد سترت بغداد ونصبت فيها المجانيق والعرادات وغيرها من آلات الممانعة التي لا ترد من قدر الله سبحانه وتعالى شيئاً، كما ورد في الأثر: لن يغني حذر عن قدر.
[light=CCCCFF]وكما قال تعالى: {إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ} [نوح: 4]، وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ} [الرعد: 11] .[/light]
وأحاطت التتار بدار الخلافة يرشقونها بالنبال من كل جانب حتى أصيبت جارية كانت تلعب بين يدي الخليفة وتضحكه، وكانت من جملة حظاياه، وكانت مولدة تسمى عرفة، جاءها سهم من بعض الشبابيك فقتلها وهي ترقص بين يدي الخليفة، فانزعج الخليفة من ذلك وفزع فزعاً شديداً، وأحضر السهم الذي أصابها بين يديه فإذا عليه مكتوب إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره أذهب من ذوي العقول عقولهم.
فأمر الخليفة عند ذلك بزيادة الاحتراز، وكثرت الستائر على دار الخلافة - وكان قدوم هولاكو خان بجنوده كلها، وكانوا نحو مائتي ألف مقاتل- إلى بغداد في ثاني عشر المحرم من هذه السنة، وهو شديد الحنق على الخليفة بسبب ما كان تقدم من الأمر الذي قدره الله وقضاه وأنفذه وأمضاه.
وهو أن هولاكو لما كان أول بروزه من همدان متوجهاً إلى العراق أشار الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي على الخليفة بأن يبعث إليه بهدايا سنية ليكون ذلك مداراة له عما يريده من قصد بلادهم فخذل الخليفة عن ذلك دويداره الصغير أيبك وغيره، وقالوا إن الوزير إنما يريد بهذا مصانعة ملك التتار بما يبعثه إليه من الأموال، وأشاروا بأن يبعث بشيء يسير، فأرسل شيئاً من الهدايا فاحتقرها هولاكو خان، وأرسل إلى الخليفة يطلب منه دويداره المذكور، وسليمان شاه، فلم يبعثهما إليه ولا بالا به حتى أزف قدومه. ووصل بغداد بجنوده الكثيرة الكافرة الفاجرة الظالمة الغاشمة، ممن لا يؤمن بالله ولا باليوم الآخر، فأحاطوا ببغداد من ناحيتها الغربية والشرقية، وجيوش بغداد في غاية القلة ونهاية الذلة، لا يبلغون عشرة آلاف فارس، وهم وبقية الجيش كلهم قد صرفوا عن إقطاعاتهم حتى استعطى كثير منهم في الأسواق وأبواب المساجد.
وأنشد فيهم الشعراء قصائد يرثون لهم ويحزنون على الإسلام وأهله، وذلك كله عن آراء الوزير ابن العلقمي الرافضي، وذلك أنه لما كان في السنة الماضية كان بين أهل السنة والرافضة حرب عظيمة نهبت فيها الكرخ ومحلة الرافضة حتى نهبت دور قرابات الوزير.
فاشتد حنقه على ذلك، فكان هذا مما أهاجه على أن دبر على الإسلام وأهله ما وقع من الأمر الفظيع الذي لم يؤرخ أبشع منه منذ بنيت بغداد، وإلى هذه الأوقات، ولهذا كان أول من برز إلى التتار هو، فخرج بأهله وأصحابه وخدمه وحشمه، فاجتمع بالسلطان هولاكو خان لعنه الله.
ثم عاد فأشار على الخليفة بالخروج إليه والمثول بين يديه لتقع المصالحة على أن يكون نصف خراج العراق لهم ونصفه للخليفة، فاحتاج الخليفة إلى أن خرج في سبعمائة راكب من القضاة والفقهاء والصوفية ورؤوس الأمراء والدولة والأعيان، فلما اقتربوا من منزل السلطان هولاكو خان حجبوا عن الخليفة إلا سبعة عشر نفساً، فخلص الخليفة بهؤلاء المذكورين، وأنزل الباقون عن مراكبهم، ونهبت وقتلوا عن آخرهم، وأحضر الخليفة بين يدي هولاكو فسأله عن أشياء كثيرة فيقال إنه اضطرب كلام الخليفة من هول ما رأى من الإهانة والجبروت.
ثم عاد إلى بغداد، وفي صحبته خوجة نصير الدين الطوسي، والوزير ابن العلقمي وغيرهما، والخليفة تحت الحوطة والمصادرة، فأحضر من دار الخلافة شيئاً كثيراً من الذهب والحلي والمصاغ والجواهر والأشياء النفيسة، وقد أشار أولئك الملأ من الرافضة وغيرهم من المنافقين على هولاكو أن لا يصالح الخليفة، وقال الوزير: متى وقع الصلح على المناصفة لا يستمر هذا إلا عاماً أو عامين ثم يعود الأمر إلى ما كان عليه قبل ذلك، وحسنوا له قتل الخليفة، فلما عاد الخليفة إلى السلطان هولاكو أمر بقتله.
ويقال إن الذي أشار بقتله الوزير ابن العلقمي، والمولى نصير الدين الطوسي، وكان النصير عند هولاكو قد استصحبه في خدمته لما فتح قلاع الألموت، وانتزعها من أيدي الإسماعيلية، وكان النصير وزيراً لشمس الشموس ولأبيه من قبله علاء الدين بن جلال الدين، وكانوا ينسبون إلى نزار بن المستنصر العبيدي، وانتخب هولاكو النصير ليكون في خدمته كالوزير المشير، فلما قدم هولاكو وتهيب من قتل الخليفة هون عليه الوزير ذلك فتقلوه رفساً، وهو في جوالق لئلا يقع على الأرض شيء من دمه، خافواً أن يؤخذ بثأره فيما قيل لهم، وقيل بل خنق، ويقال بل أغرق فالله أعلم.
فباؤوا بإثمه وإثم من كان معه من سادات العلماء والقضاة والأكابر والرؤساء والأمراء وأولي الحل والعقد ببلاده ومالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون.
وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار.
ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي وطائفة من التجار أخذوا لهم أماناً، بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم.
وعادت بغداد بعد ما كانت آنس المدن كلها كأنها خراب ليس فيها إلا القليل من الناس، وهم في خوف وجوع وذلة وقلة، وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر قريباً من مائة ألف مقاتل، منهم من الأمراء من هو كالملوك الأكابر الأكاسر، فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف.
ثم كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله طمعاً منه أن يزيل السنة بالكلية، وأن يظهر البدعة الرافضة وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتيين، والله غالب على أمره، وقد رد كيده في نحره، وأذله بعد العزة القعساء، وجعله حوشكاشا للتتار بعد ما كان وزيراً للخلفاء، واكتسب إثم من قتل ببغداد من الرجال والنساء والأطفال، فالحكم لله العلي الكبير رب الأرض والسماء.
وقد جرى على بني إسرائيل ببيت المقدس قريب مما جرى على أهل بغداد كما قص الله تعالى علينا ذلك في كتابه العزيز، حيث يقول: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً * فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً} الآيات [الإسراء: 4-5] .
وقد قتل من بني إسرائيل خلق من الصلحاء وأسر جماعة من أولاد الأنبياء، وخرب بيت المقدس بعد ما كان معموراً بالعباد والزهاد والأحبار والأنبياء، فصار خاوياً على عروشه واهي البناء.
drawGradient()
فقيل ثمانمائة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل بلغت القتلى ألفي ألف نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وكان دخولهم إلى بغداد في أواخر المحرم، وما زال السيف يقتل أهلها أربعين يوماً، وكان قتل الخليفة المستعصم بالله أمير المؤمنين يوم الأربعاء رابع عشر صفر وعفي قبره.
وكان عمره يومئذ ستاً وأربعين سنة وأربعة أشهر، ومدة خلافته خمس عشرة سنة وثمانية أشهر وأيام، وقتل معه ولده الأكبر أبو العباس أحمد، وله خمس وعشرون سنة، ثم قتل ولده الأوسط أبو الفضل عبد الرحمن، وله ثلاث وعشرون سنة، وأسر ولده الأصغر مبارك وأسرت أخواته الثلاث فاطمة وخديجة ومريم، وأسر من دار الخلافة من الأبكار ما يقارب ألف بكر فيما قيل والله أعلم، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
وقتل أستاذ دار الخلافة الشيخ محيي الدين يوسف بن الشيخ أبي الفرج بن الجوزي، وكان عدو الوزير، وقتل أولاده الثلاثة: عبد الله، وعبد الرحمن، وعبد الكريم، وأكابر الدولة واحداً بعد واحد، منهم الديودار الصغير مجاهد الدين أيبك، وشهاب الدين سليمان شاه، وجماعة من أمراء السنة وأكابر البلد.
وكان الرجل يستدعي به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده ونسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه.
وقتل شيخ الشيوخ مؤدب الخليفة صدر الدين علي بن النيار، وقتل الخطباء والأئمة وحملة القرآن، وتعطلت المساجد والجماعات والجمعات مدة شهور ببغداد، وأراد الوزير ابن العلقمي قبحه الله ولعنه أن يعطل المساجد والمدارس والربط ببغداد ويستمر بالمشاهد ومحال الرفض، وأن يبني للرافضة مدرسة هائلة ينشرون علمهم بها وعليها، فلم يقدره الله تعالى على ذلك، بل أزال نعمته عنه وقصف عمره بعد شهور يسيرة من هذه الحادثة، وأتبعه بولده فاجتمعا والله أعلم بالدرك الأسفل من النار.
ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.
وكان رحيل السلطان المسلط هولاكو خان عن بغداد في جمادى الأولى من هذه السنة إلى مقر ملكه، وفوض أمر بغداد إلى الأمير علي بهادر، فوض إليه الشحنكية بها وإلى الوزير بن العلقمي فلم يمهله الله ولا أهمله، بل أخذه أخذ عزيز مقتدر، في مستهل جمادى الآخرة عن ثلاث وستين سنة، وكان عنده فضيلة في الإنشاء ولديه فضيلة في الأدب، ولكنه كان شيعياً جلداً رافضياً خبيثاً، فمات جهداً وغماً وحزناً وندماً، إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم، فولي بعده الوزارة ولده عز الدين بن الفضل محمد، فألحقه الله بأبيه في بقية هذا العام ولله الحمد والمنة.
وذكر أبو شامة وأبو عبد الله الذهبي وقطب الدين اليونيني أنه أصاب الناس في هذه السنة بالشام وباء شديد، وذكروا أن سبب ذلك من فساد الهواء والجو، فسد من كثرة القتلى ببلاد العراق، وانتشر حتى تعدى إلى بلاد الشام فالله أعلم.
ويقول ابن الأثير رحمه الله في ذلك قولة مؤثرة تبكي العيون، وتقطع القلوب: (لقد بقيت عدة سنين معرضًا عن ذكر هذه الحادثة استعظامًا لها كارهًا لذكرها فأنا أقدم إليه رجلاً وأؤخر أخرى فمن الذي يسهل عليه أن يكتب نعي الإسلام والمسلمين؟ ومن الذي يهون عليه ذكر ذلك. فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيًا منسيًا. إلا أني حثني جماعة من الأصدقاء على تسطيرها وأنا متوقف ثم رأيت أن ترك ذلك لا يجدي نفعًا فنقول: عمت الخلائق وخصت المسلمين فلو قال قائل: إن العالم مذ خلق الله سبحانه وتعالى آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقًا فان التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها) .
هذا غيض من فيض العداء لهذه الأمة ولدين هذه الأمة ولكيان هذه الأمة السياسي (الخلافة) .
وإليكم بعض ما يقوله قادة الغرب وسياسيوه ومفكروه مما ينم عن حقيقة نظرتهم للأمة الإسلامية وعن حقيقة ما يريدون لها أن تكون.
يقول لورنس براون: (إن الإسلام هو الجدار الوحيد في وجه الاستعمار الأوربي) .
ويقول غلادستون رئيس وزراء بريطانيا السابق: (ما دام هذا القرآن موجوداً في أيدي المسلمين فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق) .
ويقول الحاكم الفرنسي في الجزائر في ذكرى مرور مائة سنة على استعمار الجزائر: (إننا لن ننتصر على الجزائريين ما داموا يقرؤون القرآن، ويتكلمون العربية، فيجب أن نزيل القرآن العربي من وجودهم، ونقتلع اللسان العربي من ألسنتهم) .
ويقول بن غوريون رئيس وزراء إسرائيل السابق: (إن أخشى ما نخشاه أن يظهر في العالم العربي محمد جديد) .
ويقول براون أيضاً: (كان قادتنا يخوفوننا بشعوب مختلفة، لكننا بعد الاختبار لم نجد مبرراً لمثل تلك المخاوف، كانوا يخوفوننا بالخطر اليهودي، والخطر الياباني الأصفر، والخطر البلشفي، لكنه تبين لنا أن اليهود أصدقاؤنا، والبلاشفة الشيوعيون حلفاؤنا، واليابانيون فإن هناك دولاً ديمقراطية كبيرة تتكفل بمقاومتهم، لكننا وجدنا أن الخطر ا لحقيقي علينا موجود في الإسلام، وفي قدرته على التوسع والإخضاع، وفي حيويته المدهشة) .
وأنهي هذه المقولات بأفظع مقولة فيها وهي قول المستشرق الفرنسي كيمون في كتابه باثولوجيا الإسلام: (إن الديانة المحمدية جذام تفشى بين الناس، وأخذ يفتك بهم فتكاً ذريعاً، بل هو مرض مريع وشلل عام، وجنون ذهولي يبعث الإنسان على الخمول والكسل، ولا يوقظه من الخمول والكسل إلا ليدفعه إلى سفك الدماء، والإدمان على معاقرة الخمور، وارتكاب جميع القبائح، وما قبر محمد إلا عمود كهربائي يبعث الجنون في رؤوس المسلمين، فيأتون بمظاهر الصرع والذهول العقلي إلى ما لا نهاية، ويعتادون على عادات تنقلب إلى طباع أصيلة، ككراهة لحم الخنزير والخمر والموسيقى، إن الإسلام كله قائم على القسوة والفجور في اللذات، أعتقد أن من الواجب إبادة خمس المسلمين، والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وتدمير الكعبة، ووضع قبر محمد وجثته في متحف اللوفر) .
لذلك كله لم يكن من المستغرب أن يهبوا للقضاء على معقل الإسلام وطريقة وجوده في الحياة وهي الخلافة، فلما وقف كرزون وزير خارجية إنجلترا في مجلس العموم البريطاني يستعرض ما جرى مع تركيا بعد سقوط الخلافة، احتج بعض النواب الإنجليز بعنف واستغربوا كيف اعترفت انجلترا باستقلال تركيا، التي يمكن أن تجمع حولها الدول الإسلامية مرة أخرى وتهجم على الغرب، فأجاب كروزون: لقد قضينا على تركيا، التي لن تقوم لها قائمة بعد اليوم، لأننا قضينا على قوتها المتمثلة في أمرين: الإسلام والخلافة) .
وها هي الأمة الإسلامية اليوم قد أضحت الهدف الأوحد لأميركا ودول الغرب، سلطوا عليها كل أسلحتهم، ووجهوا لها كل سهامهم، فلم يكفهم أن حكام المسلمين عملاء لهم، يفعلون ما يأمرونهم به، ويعطونهم ما يريدونه، بل إنهم يريدون أن يسلخوا الأمة عن دينها سلخاً تاماً، فباتوا (أمريكا ودول الغرب) قوامين على المسلمين، يخططون لهم، ويحددون مصائرهم، ويعلمونهم دينهم، ويتفضلون عليهم بالحضارة الغربية كي يأخذوها كما يريدون هم أن يوجدوها في بلادنا.
أفغانستان، العراق، كشمير، فلسطين، الشيشان، الصومال، السودان، الكويت، السعودية، وغيرها من بلاد المسلمين، صارت أهدافاً مشروعة لأمريكا وأعوانها، ولا غرو، فالأمة بدأت تتحسس خلاصها، وأخذت تتوجه إلى دينها، وأضحت تدرك أن كل ما خلا الله باطل، ولكنها صحوة، ولذلك فإنهم يريدون ضربها قبل أن تكتمل صحوتها.
فالقضاء على الخلافة والقضاء على الوحدة وسلخ الأمة الإسلامية عن دينها ومسئوليتها تجاه العالم، وجعلها تشعر بالعجز تجاه الأحداث والمتغيرات، وترضى أن تكون مسخاً مائعاً يختلط بالأمم والشعوب والحضارات دون تميز أو افتراق؛ هو ما يريدونه من هذه الأمة.
[light=99CCFF]قال تعالى: ((وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ)) [البقرة 120] .[/light]
[light=CCFFFF]وقال تعالى: ((وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ)) [البقرة 145] .[/light]
لم تكن البشرية بحاجة لمبدأ ينهضها ويرتقي بها مثل حاجتها للإسلام اليوم، فالكل يئن، ويشقى، ويشتكي، ولم يعد الإنسان الضال في يومنا هذا يعرف الطمأنينة النفسية، والاستقرار الاجتماعي، والسعادة الدنيوية.
إن العالم يئن تحت ظلم الحضارة الرأسمالية النفعية اللا أخلاقية، ولا خلاص له إلا بالإسلام، فهل تهب الأمة لإنقاذه؟
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لؤلؤة تاريخ الأمة اسلامية ومجدها | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج












.gif)














.gif)


